من هم الشركس؟ وهل سمعت بالإبادة التي تعرضوا لها؟

الشركس هم إحدى الشعوب التي تستوطن شمال القوقاز، وعلى الرغم من أن الاسم الذي عُرف به هؤلاء في معظم اللغات هو الشركس، لكن الشركس أنفسهم لم يحملوا هذا الاسم سابقاً، بل كانوا يشيرون إلى أنفسهم باسم الأديغة.

ويعتبر الأديغة هم شعب مؤلف من عدة قبائل استوطن شمال القوقاز، ويُشتق اسمهم من الأماكن الجغرافية التي استوطنوها، أي بين المرتفعات الجبلية وساحل البحر الأسود.

عقب احتلال الروس للقوقاز، هاجر الكثير من الشركس واستوطنوا أماكن مثل تركيا وسوريا والأردن وإسرائيل اليوم، وكذلك في دول يوغوسلافيا سابقاً،

 وهناك أيضاً بعض الشتات في أوروبا وأمريكا الشمالية (تحديداً ولايات نيوجرسي ونيويورك وكاليفورنيا الأمريكية)، لكن الكثير منهم لم يتخلوا عن موطنهم الأصلي، وعاشوا تحت ظل الحكومات السوفيتية المتعاقبة حتى تأسست جمهوريات أديغيا وقبردينو–بلقاريا وقرتشاي–تشيركيسيا، جميعها جمهوريات ضمن روسيا الاتحادية اليوم.

وخلال القرن الثالث عشر، استطاع الشركس الوصول إلى مراكز رفيعة في الشرق الأوسط، تحديداً السلالة المملوكية في مصر، والتي حكمت المسلمين لأكثر من 300 عام.

يمتاز بعض الشركس بعيونهم الزرقاء وشعرهم الأشقر أو المائل للحمرة، بينما يمتاز بعض الشركس الآخرين بشعرهم الأسود وطباعهم البسيطة

 تركيبة الشركس السياسية

على مر تاريخهم، كان الشركس يعيشون بشكل مستقل، فلم يكن لهم دول رسمية أو مدن كبرى، بينما كان الجهاز السياسي الرئيس هو القبائل والمجتمعات التي تعيش بشكل مستقل، أي أشبه بمدن الإغريق والرومان القديمة والمستقلة أو قبائل الإيروكواس مثلاً.

قُسمت مجتمعات الأديغة أيضاً إلى رتب متفاوتة، فهناك طبقة الأمر وطبقة النبلاء المكونة من 4 مراتب، وأخيراً عامة الشعب الأحرار، بالإضافة إلى 5 درجات مختلفة من الخدم أو العبيد، والتي يندرج ضمنها الأسرى والأجانب والمدينين غير القادرين على إيفاء ديونهم والشعوب الأخرى التي غُلبت على يدهم.

الشركس والاتحاد السوفيتي والعثمانيون

في ثمانينيات القرن الثامن عشر، وصل الروس إلى حوض البحر الأسود الذي كانت الإمبراطورية العثمانية تسيطر عليه، لكن الروس والعثمانيون لم يأبهوا كثيراً بسكان المرتفعات الجبلية وظروف معيشتهم، وإنما اهتموا بالطرق التي تصلهم بجورجيا وأرمينيا والتي تمر عبر تلك الجبال.

 أدى تعجرف الحكام الروس للمستعمرات وجلب المستوطنين القوزاق للعيش في المنطقة إلى إثارة سخط الشركس، فاندلعت حرب طويلة ومدمرة استمرت أكثر من 100 سنة وانتهت عام 1864، وأدت إلى إبادة الشركس وطرد الكثيرين من ديارهم، كما أدت إلى زوال وانقراض لغة قبائل الوبخ الذين حاربوا بشدة.

بقي بعض الشركس في مناطقهم الأصلية وخضعوا لسلطة الروس ولاحقاً الاتحاد السوفيتي، لكن الكثيرين هاجروا واستقروا في الإمبراطورية العثمانية، ويعيش أغلبهم اليوم تركيا، حيث يشكل الشركس الذين بقوا في منطقتهم الأصلية نحو 3% فقط من تعداد الشركس عالمياً، بينما يعيش 97% من الشركس في الشتات.

جمهوريات شمال القوقاز.

يملك الشركس اليوم استقلالاً ذاتياً، حيث يقطنون 3 جمهوريات مستقلة داخل الاتحاد الروسي، وهي جمهوريات أديغيا وقبردينو– بلقاريا وقرتشاي –تشيركيسيا

 على الرغم من ذلك، يعيش عدد أكبر بكثير من الشركس أو المتحدرين منهم في مناطق أخرى، ففي تركيا، يبلغ عددهم 4.5 مليون نسمة (تختلف الأرقام باختلاف الإحصائيات)، بينما يعيش في سوريا نحو 35 ألف شركسي، وهناك مجموعات أخرى من الشركس تعيش في الأردن وإسرائيل، وآخرون يعيشون في الولايات المتحدة الأمريكية

لغة الشركس

تشكل اللهجتان الشركسيتان (الغربية والشرقية)، بالإضافة إلى الأبخازية والأباظة والوبخ شبه المنقرضة، عائلة لغوية منفصلة يُطلق عليها القوقازية الشمالية الغربية. تمتاز تلك اللغات بمستواها المعقد، فبعض اللهجات تحوي 70 حرفاً ساكناً و3 أحرف صوتية فقط.  

ترتبط اللغات القوقازية الشمالية الغربية ولو من بعيد باللغة الحتية، وهي لغة قديمة تحدث بها سكان الأناضول قديماً. في أوائل القرن السابع عشر، أرسل السلطان العثماني العالم (أوليا جلبي) ليوثق ويسجل لغات القوقاز. بقيت بعض سجلاته محفوظة حتى يومنا

حياة الشركس وثقافتهم

الشركس شعب فخور بنفسه، لكنه فقير للأسف. عاش الشركس سابقاً في منازل مغطاة بالقش يسهل توسيعها إن أراد أحد الأبناء الزواج وتأسيس عائلة. كانت وسائل النقل إما السير على الأقدام أو ركوب الخيول، وهناك أيضاً عربات تجرها الثيران استخدمها الشركس للسير في الممرات الجبلية والطرق الوعرة.  

لكن أسلوب الحياة القديم هذا تغيّر خلال القرن العشرين، فاليوم، يعيش الشركس في منازل مسقوفة بالقرميد أو شقق سكنية في المدن.

ملابسهم وطعامهم

يفاخر الرجال الشركس بخناجرهم، وهي أغلى ممتلكاتهم المزخرفة، ويتباهون أيضاً ببدلاتهم المعروفة باسم (فاشا) ومعطف الـ (جوخا) الصوفي، وهو عبارة عن معطف طويل يحوي أحزمة رصاص بالإضافة إلى قبعة من الفرو. أما النساء، فغالباً ما ترتدين ملابس مزينة بالحلي كالأحزمة والقلائد الذهبية أو الفضية. ومع أن الشركس مسلمين، لكن الحجاب لم يكن يوماً من الملابس التقليدية لنساء الشركس والأديغة، بل عادة ما يرتدي الرجال قبعات تغطي الرأس تُدعى (باشليق).

على أي حال، لم تعد تلك الأزياء موجودة إلا لدى الكبار في السن أو أثناء المناسبات، بينما يرتدي الشركس اليوم ملابس مشابهة لتلك التي يرتديها الرجال في الغرب. بالتالي أصبحت تلك الملابس مجرد أزياء للتعبير عن الانتماء والفخر بالهوية الشركسية.

أما الطعام الشركسي التقليدي، فغالباً ما يتألف من الذرة وجبن الغنم والجوز المطحون والفواكه واللحم المجفف أو المدخن. مع تحسّن ظروف الحياة في النصف الأخير من القرن العشرين، شمل النظام الغذائي للأديغة أنواعاً مختلفاً من الأطعمة.

الأعياد التي يحتفلون بها

يحتفل الشركس، بشكل رئيس، بعيد النوروز أو الانقلاب الربيعي، والذي تحتفل به شعوب أخرى كالأكراد والترك والفرس وغيرهم، ويولون الرقص في تلك الأعياد اهتماماً خاصاً.

هناك أيضاً عيد الفصح الذي تعود أصول الاحتفال به إلى ما قبل الديانات الابراهيمية، لكنه اليوم أصبح شبه منسيّ، وهو أيضاً يُقام في فصل الربيع، وتشمل طقوس الاحتفال رقصة رمزية تجمع الشباب والشابات بشكل دائري، ويترافق الرقص مع غناء، حتى يبدأ إعداد الطعام وتجهيز اللحوم، إذ من المتعارف عليه أن يصوم المرء مدة 48 يوماً قبل العيد.

حقائق عن الإبادة الجماعية للشركس

في 21 مايو من كل عام، يحي الشركس ذكرى المذبحة التي تعرّض لها أسلافهم في ستينيات القرن التاسع عشر، والتي أدت إلى تهجيرهم نحو جميع أصقاع العالم.

كان موقع أراضي الشركس مغرياً استراتيجياً، فتصارعت عليه اثنتان من أقوى إمبراطوريات العالم القديم، الروسية والعثمانية. بالتالي، تأثر الشركس سياسياً بالعثمانيين المسلمين، وكذلك أتباعهم من تتر القرم. وهذا ما دفع بالروس إلى غزو أراضي الشركس في القرن التاسع عشر. 

إذ اعتمد الروس في أوائل القرن التاسع عشر على سياسة انتقامية جديدة ضد الغارات الشركسية التي يشنها المسلحون، فطُلب من الجيش الروسي مهاجمة القرى، تحديداً تلك التي تقطنها عائلات المحاربين الشركس.

بالتالي أقدم الروس على اغتيال أو اختطاف هؤلاء بهدف القضاء على الدعم الذي يوفره سكان القرى للمحاربين الشركس، تحديداً في القرى المقامة على المرتفعات، كما عمل الروس على إعدام الماشية وإتلاف المحاصيل كي لا يتركوا للشركس سبيلاً من أجل البقاء أحياء. وهكذا، استسلم الكثير من الشركس للحكم الروسي، بينما طُرد كثيرون أيضاً خارج قراهم.

بين 6 مارس وحتى 21 مايو عام 1864، طُرد كامل سكان الوبخ ورُحلوا إلى الأناضول في الإمبراطورية العثمانية. كانت عمليات الترحيل ضخمة جداً لدرجة أن الإمبراطورية الروسية خلت من المزارعين الذين يحصدون عادة خيرات ومحاصيل الأراضي الزراعية في غرب القوقاز.

يحي الشركس في جميع أنحاء العالم ذكرى الحادي والعشرين من مايو، فهو اليوم الذي تعرض فيه أسلافهم إلى ترحيل قسري من موطنهم الأصلي. ووفقاً للناشطين الشركس، فقد طُرد نحو 90% من الشركس –ما يعادل 3 مليون شخص– من موطنهم الأصلي في القوقاز جراء عمليات الترحيل الروسية.

أرسلت الإمبراطورية العثمانية سفناً لإجلاء النازحين، وتوفي الكثير منهم في البحر الأسود، وهكذا ابتلع البحر جثث الكثيرين خلال تلك الرحلة الصعبة. في المقابل، اعتمدت الإمبراطورية العثمانية سياسة توطين الشركس، والتي كانت جيدة بالنسبة لهم، لكنها جاءت على حساب الجماعات المسيحية الأخرى التي تعيش في الإمبراطورية، تحديداً بسبب سوء التخطيط والتنفيذ.

—-

من هم الشركس؟ وما قصة الإبادة التي تعرضوا لها؟

اقرأ في الموقع