الفرق بين الطباق والمقابلة

علم البديع هو أحد فروع علم البلاغة، وهو علم يهتمّ بالتزيين اللفظيّ والمعنويّ للنّصوص الأدبيّة، ومن المُحسّنات المعنويّة في علم البديع

الطباق

 الطّباق، وهو الجمع في الكلام الواحد بين لفظين مُتضادّين في المعنى، وقاعدة الطباق في اللغة العربية أن يكون اللّفظان اسمين أو فعلين أو حرفين، وقد يكونان مُختلفين، أي طباق بين اسم وفعل

 إضافة إلى أنّ الطباق له نوعان: طباق إيجاب وطباق سلب، طباق الإيجاب يكون من خلال الجمع بين اللفظة وضدّها، أمّا السلب فهو الجمع بين اللّفظة ونَفْيها.

المقابلة

من المحسنات البديعية المعنوية المُقابلة، وهي طباق مركّب فيُؤتى في القسم الأول من الكلام بمعنيين مُتوافقيَن، وقد يكون أكثر من معنيين، ومن ثم يُؤتى في القسم الثاني من الكلام ما يُناظر القسم الأول، على التّرتيب، ويكون فيه معانٍ مُضادّة للقسم الأول، مثل: عدوٌ عاقل خير من صديق جاهل، حيث جيء بكلمتي “عدوّ وعاقل” ثم تبعتهما في القسم الثاني على الترتيب ما هو ضدّهما: صديق وجاهل.

 من خلال التعريف  يتضح أن الفرق بين الطباق والمقابلة هو فقط في عدد الألفاظ المستعملة في كل منهما، إذ إن الطباق يقوم على الإتيان بلفظة وضدها أو لفظة ونفيها، بينما المقابلة تعتمد على أكثر من لفظة، فقد تكون المقابلة بين لفظتين، أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وهذا الاختلاف بينهما أدى إلى وجود عدة آراء عن هذين المفهومين.

اختلاف العلماء حول مفهومي الطباق والمقابلة

  انقسم البلاغيّين إلى قسمين فيما يخصّ الطباق والمُقابلة.

القسم الأوّل :  يرى أنّ الطّباق أعمّ من المُقابلة؛ إذ إنّهم يُبرّرون هذا الرأي بأنّ الطّباق هو الأصل، والمُقابلة هي الفرع، وممّن اعتدّ بهذا الرأي الإمام القزوينيّ، فهم يرون أثر الطباق على المعنى، وقدرته على إغناء النص الأدبي وإبراز المعاني المتضادة بصورة أوضح، ولذلك يعتبرونه الأصل، لا سيما أنه يقع في الأضداد فقط.

القسم الثّاني :  -وهو يُمثّل رأي الأغلبيّة-، يرى أنّ المُقابلة هي الأعمّ والأشمل، وأنّها هي الأصل والطّباق هو الفرع، ومِن أبرز العلماء القُدماء الذين أخذوا بهذا الرأي: ابن حجة الحموي، ومن المُحدثين: عبد العزيز عتيق،  

القيمة الفنية للطباق والمقابلة

يعدّ الطّباق والمقابلة مصدر الجمال من خلال إثارة الانتباه إلى الفكرة، وإيقاظ الشّعور للموازنة بين الشّيء وضدّه، وفي ذلك يتحقّق الإمتاع الفنيّ، ويتمّ إيضاح المعنى وتوكيده، ويستقرّ في النّفوس

كما يزداد به الأسلوب جمالاً ووضوحًا، فمن الطّباق المقابلة، وهي الجمع بين متوافقين فأكثر ثمّ ما يقابلهما على التّرتيب، نحو قوله تعالى: {وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ}. وقوله تعالى: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ}.  ونحو قول الشّاعر:

مَا أَحْسَنَ الدِّينَ وَالدُّنْيَا إِذَا اجْتَمَعَا  * * * *وَأَقْبَحَ الْكُفْرَ وَالإِفْلاَسَ بِالرَّجُلِ

وذكر الشّيء ومقابله يعطي الكلام حسنًا، ويوسّعُ نطاق المعرفة في التّعليم، ومن ثمّ القدرة على التّمييز بين الخطأ والصّواب، وبضدّها تتمايز الأشياء

 وهذا ممّا يحقّق الإشباع في التّعلّم، والقضاء على المعرفة المبتورة، ممّا يوفّر ثقافة معيّنة تكون أكثر تأثيرًا في التّعبير القويم، والنّطق السّليم، يرتقي به وبصورة خاصّة إلى درجة تذوّق المعاني تذوقًا جماليًّا.

أمثلة على الطباق والمقابلة

أمثلة على الطباق:

1-  قوله تعالى: {وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ* وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا}

 في هاتين الآيتين طباق، والطباق في الآية الأولى بين كلمتي (أضحك وأبكى)، وفي الآية الثّانية بين كلمتي: (أمات وأحيا)، وهو طباق إيجاب إذ وردت الكلمة وضدّها، ولقد كان بين فعلين.

2- قوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت}

، الطّباق في هذه الآية وقعَ بين حرفي الجر: (لها، عليها)، وهو طباق إيجاب لأنّه وقع بين اللّفظة وضدّها، إذ دلّت كلمة لها على الثواب والمُكافأة، بينما دلّت كلمة “عليها” على العقاب والمؤاخذة.

3- سَلي إِن جَهِلتِ الناسَ عَنّا وَعَنهُمُ * * *  فَلَيسَ سَواءً عالِمٌ وَجَهولُ

 الطباق في البيت السابق وقع في آخر الشطر الثاني، بين كلمتي (عالم وجهول)، وهو طباق إيجاب وقع بين اسمين متضادين في المعنى.

4- السَيفُ أَصدَقُ أَنباءً مِنَ الكُتُبِ * * *  في حَدِّهِ الحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

الطباق في بيت أبي تمام وقع أيضًا في آخر الشطر الثاني، بين لفظتي: (الجد واللّعب)، وهو طباق إيجاب بين اسم وضده.

5- وَصَيَّروا الأَبرُجَ العُليا مُرَتَّبَةً * * *  ما كانَ مُنقَلِبًا أَو غَيرَ مُنقَلِبِ

 في هذا البيت طباق سلب، بين لفظة (مُنقلب، ولفظة غير مُنقلب)، والبعض يُسمّيه طباق نفي؛ إذ إنّه وقع بين الكلمة ونفيها.

أمثلة على المقابلة:

1- قوله تعالى: {فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَآءًۢ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}

فقد وردت كلمتان في القسم الأول من الآية، هما: (فليضحكوا، وقليلًا)، ثم جاءت بعدهما في القسم الثاني كلمتان ضدهما على الترتيب، وهما (ليبكوا، كثيرًا)، فهذا الطباق المُركّب يُسمّى في علم البلاغة مقابلة .

  2- فَتحُ الفُتوحِ تَعالى أَن يُحيطَ بِهِ * * *  نَظمٌ مِنَ الشِعرِ أَو نَثرٌ مِنَ الخُطَبِ

 المُقابلة وقعت في الشطر الثاني، إذ جاء تركيب (نثر من الخطب) في آخر الشطر الثاني مُقابلًا للتّركيب الذي قبله (نظم من الشعر)، فلمّا جاء طباقان مُركّبان تركيبًا ترتيبيًا صار اسمه مقابلة.

3- فَلاَ الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ وَالْجَدُّ مُقْبلٌ* * *  وَلاَ الْبُخْلُ يُبْقي الْمَالَ وَالْجّدُّ مُدْبِرُ

 المُقابلة في هذا البيت الشعريّ وقعت بين قسمين من المعاني، وفي كلّ قسم ثلاث مفردات تُقابلها في القسم الثاني ثلاث مفردات هي ضدّها، وقد وردت على الترتيب الموافق للقسم الأول، القسم الأول: (الجود، يفني، مقبل) والقسم الثاني (البخل، يبقي، مدبر)

4- فتَىً تَمَّ فِيهِ مَا يَسُرُّ صَدِيقَهُ * * *  على أنَّ فِيهِ مَا يَسُوءُ الأَعَادِيَا

 المُقابلة في هذا البيت وقعت بين الشطرين الأول والثاني، فقد وردت لفظتا (يسرّ، صديقه) في الشطر الأول، وقابلهما ضدّهما على الترتيب في الشطر الثاني، وهو: (يسوء، الأعاديا).

الفرق بين الطباق والمقابلة

اقرأ في الموقع