سببُ نزولِ الآيةِ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

ينبغي التحذير مِمَّا جَرى عَلَى ألسِنَةِ الكثير مِن إيراد الآية ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ على معنى أنَّ مَن يُحرِّشُ بينَ الناسِ ويعملُ الفِتَنَ ذَنبُهُ أشدُّ مِمَّن قَتَل نَفسًا وهذَا غَلَطٌ ومُخالِفٌ لِنصُوصِ القرآن الكريم بَلْ وفيهِ تكذيبٌ لحديثِ رسولِ اللهِ ﷺ حينَ سُئِلَ عَن أيِّ الذنوبِ أعظم، فقال (الشرك بالله) قيل له ثم أيّ، قال (قتل النفس التي حرم الله) فمن المقطوع به عند المسلمين أن قتل النفس أكبرُ وأشد ذنب عند الله بعد الكفر بالله، وليس عَمَل المَشاكِل والفِتَنِ بِأَشَدَّ مِنهُ، فَاحذَر أنْ تورد الآية في غير محلها وأحذر حذرا شديدا من أن تعتقد هذا المعنى الخاطئ للآية.

وسبب نزولِ الآيةِ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ أرسلَ بعض الصحابةِ إلى موضعٍ بين مكةَ والطائفِ، حتى يتحسسوا أخبارَ المشركين، ولم يأمرهم ﷺ بالقِتَالِ، فلما وصلوا إلى هذا المكانِ ونزلوا به مرّت بهم قافلةٌ وفيها عمرُو بنُ الحضرميِّ ومعه ثلاثةُ أشخاص، فقتلوا عمرَو بنَ الحضرميِّ وأسروا اثنينِ وفرَّ الثالثُ، فجاؤوا بالقافلةِ والأسيرينِ لرسولِ اللهِ ﷺ، فالنبي ﷺ أنكر عليهم ذلك لأنه لم يأمرهم بالقتالِ، ولأنه كان القتالُ في أحدِ الأشهرِ الحُرُمِ، وكان مُحرمًا القتالُ فيها قبلَ أن يُنسخَ الحكمُ، فالمشركونَ أنكروا قالوا هذا محمد يدعي الخير ثم يرفع السيف في مثل هذا الشهر!؟ وعَابُوا على المسلمينَ بأنهم قاتَلُوا في الشّهر الحرامِ فرَدَّ اللهُ علَيهِم وذَمَّهُم بأَنهم ارتَكبُوا رأسَ الذّنبِ وهوَ الشِّركُ فكيفَ يَعِيبُونَ على المسلمِينَ على أنهم قاتلوا في الشهرِ الحرام وما هُم علَيهِ أَشَدُّ مِن هذا لأنّ الشِّركَ هوَ أعظَمُ الظُّلم والفتنِ

 فأنزل الله تعالى في تبكيتهم وزجرهم قوله ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي كفركم بالله وعبادتكم للأصنام أشدُ من القتال في مثل هذا الشهر وليس معنى الآية أن الفتن أشد ذنبا عند الله من القتل، وإن كان عمل الفتن بين الناس أمرٌ نَهَى عنهُ الشرعُ وحَذَّرَ منهُ وهُو طبعُ أهلِ الفسادِ والنفاقِ والرذائل.

معنى وتفسير الآية

وهاكَ جملةٌ مِن أهمِّ أقوالِ العُلَمَاءِ في معنى قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أنه الكفر بالله تعالى، فقد قال تعالى في سورةِ البقرةِ ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾

فالمُراد بالفتنةِ هُنَا هُوَ الشِّركُ وليس النميمةُ كمَا يَتَوهَّمُ بعضُ النَّاس فيُورِدُونَ هذِهِ الآيةَ عِندَ حُصُولِ أيِّ شِجَار ناتجٍ عَن نميمةٍ، قالَ بعضُ المُفسِّرينَ فِي ذلكَ مِنهُم المُفسِّر الإمامُ الطبريُّ، قال القول في قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ يعني تَعَالَى ذَكَرَهُ بِقَولِهِ ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، والشِّركُ باللهِ أشدُّ مِنَ القَتلِ، وقد بينّا أنَّ أصلَ الفتنةِ الابتلاءُ والاختِبَارُ فتأويلُ الكلامِ في الآية ابتلاءُ المؤمنِ فِي دِينِه حَتَّى يَرجِعَ عنهُ فيَصِيرَ مشركًا بالله مِن بعدِ إسلامِه، كما كان يَفعَلُ هؤلاءِ المشركون، أشدُّ عليهِ وأضرُّ مِن أن يُقتَل مُقيمًا عَلى دِينه متمسكًا عليهِ مُحِقًّا فِيهِ

وقال الإمام القرطبي أي شِركُهُم باللهِ وكفرُهُم بِه أعظمُ جُرْمًا وأشدُّ مِن القتلِ الذي عيَّرُوكُم بهِ، وهذا دليل على أن الآية نزلت في شأنِ عمرِو بن الحَضْرمِيّ حين قتله وَاقدُ بنُ عبد اللَّهِ التميمِيُّ فِي آخر يومٍ مِن رجب الشهرِ الحرام.

وقال الحافظ ابنُ الجوزي فأما الفتنة، ففيها قولان أحدهما أنها الشرك، قالهُ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمرَ، وقتَادَةُ والثاني أنها ارتِدَادُ المُؤمِنِ إلى عِبَادَةِ الأوثانِ، قالَهُ مُجاهِد فَيَكُون مَعنَى الكلام على القول الأول شِركُ القَومِ أعظَم مِن قتلِكُم إيَّاهُم فِي الحرم وعلى الثاني ارتدادُ المُؤمِن إلى الأوثَانِ أشَدُّ عَلَيهِ مِن أن يُقتَل مُحِقًا.

وقال الإمام النسفي قوله تعالى ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي شِركُهُم باللهِ أعظَمُ من القتلِ الذي يَحُلُّ بِهِم مِنكُم، وقال الخازن في تفسيره ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، يَعنِي أنَّ شِركَهُم باللهِ أشدُّ وأعظَمُ مِن قَتلِكُم إيَّاهم في الحرم والإحرام وإنما سُميَ الشركُ بالله فِتنَةً لأنَّه فَسادٌ فِي الأرضِ يؤدِّي إلى الظُلم، وإنما جُعِل أعظمَ مِنَ القتل لأن الشركَ بالله ذنبٌ يستَحِق صَاحِبُه الخُلُودَ في النار وليس القَتلُ كذلِكَ، والكُفرُ يُخرج صاحِبَه مِنَ المِلةِ وليسَ القتلُ كذلك فثبتَ أنَّ الفتنةَ أشدُّ مِن القتلِ.

وهَكَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ معنى الفتنة في الآية الشرك والكفر بالله سواءٌ باللسان كالاستهزاء بالدين أو بما جاء في القرآن ومن الشرك الذي هو فتنة أيضا الاعتقاد الفاسد من نحو اعتقاد الصورة والجسم والمكان لله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا فلا السماء مسكنٌ لله ولا العرشُ مستَقرٌ له سبحانه ولا يُنسب إليه تعالى الصورةُ والجِسمُ بل اللهُ فَردٌ صمدٌ لا يحتاج لشىء ولا يشبِههُ شىءٌ ليس كمثله شىء وهو السميع البصير فمن حَمَلَ مُعتَقَدًا فاسِدًا أو تكلَّم بشِركٍ أو كفرٍ فذنبُهُ عند الله أكبر من ذنبِ قاتل النفس ثم بعدَهُ القتلُ ولهذا وصفَ اللهُ عبادَه المؤمنين بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾، فالقتل بغير حق جريمة كبرى بعد الكفر بالله.

نقلاً عن موقع souhnoun

سبب نزول آية ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾
  • views
  • تم النشر في:

    أحكام وتعاليم اسلامية

  • آخر تعديل:
  • قم بنسخ الرابط المختصر أدناه من زر النسخ لمشاركته:

    https://gnram.com/?p=13513

اقرأ في الموقع