شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

الغزل لغةً هو: الشّعر الذي يُعنى بذكر النساء وما يتعلّق بهنّ من جمالهنّ ومشاعر الشّاعر التي تتعلّق بهنّ، وما إلى ذلك من الأمور المتعلّقة بالنساء

وأمّا تعريف الغزل اصطلاحًا فهو: نوعٌ من أنواع الشّعر الوجداني يقصده الشّعراء لذكر محبوباتهم وذكر كلّ ما يتعلّق بهنّ من جمالٍ ومشاعرٍ وما إلى ذلك من متعلّقات المحبوبة

أقسام الغزل في العصر الأموي

وقد ظهر الغزل في العصر الأموي بحلّته الجديدة، فلم يعد الشعراء يعرضون إليه عرضًا، بل أصبح فنًّا مستقلًّا وغرضًا مستقلًّا وقد اتّخذ هذا الغزل ثلاثة مظاهر وأنواع اشتهر فيهما في هذا العصر   

 1- الغزل العذري (العفيف)

الغزل العذري العفيف فهو ذلك الشّعر الذي تغنّى فيه أصحابه بحبّهم العفيف ومن أمثال من عُرفوا به: جميل بن معمر وعروة وقيس بن ذَريح والمجنون،

2-  الغزل الحضري

 فقد كان فيه ذكر المرأة إباحيًّا، فلم يُعنَ الشّاعر بمشاعر الحب وروحانياته بقدر عنايته بمادّيات الحب، وقد كان زعيم هذه الفئة هو عمر بن أبي ربيعة،

3- الغزل العادي:

 فقد كان امتدادًا لما جاء به الجاهليّون في عصرهم، فلم يختلف عمّا سبقه أبدًا.

سمات شعر الغزل العفيف في العهد الأموي

– الابتعاد عن الوصف الحسّي المادي: والاعتماد على الوصف المعنوي الذي يعتمد على ذكر المشاعر والأحاسيس من الشوق والحنين وذكر الآلام والمعاناة من الحب والحرمان والأرق.

– العفّة والسّمو: فقد كانت معانيهم عفيفة وسموا بها عن دنايا النفس البشرية وشهوات الإنسان، وذلك خلاف الغزل الحسّي المادي.

– تصوير المعاناة: من الحب وعدم القدرة على صد المحبوبة والبعد عنها.

– اللون الواحد: وذلك يعني أنّ جميع شعراء الغزل العذري قد انطبعت أشعارهم بقالبٍ واحدٍ لم يخرجوا عنه، فإذا قرأتَ عن أحدهم كأنّما قرأت أنموذجًا عن جميعهم.

– استقلال الغرض: فقد صار للغزل العفيف قصائد شعريّة كاملة بعد أن كان في الجاهلية مقدمة لقصائد كان الغرض الشعري فيها هو المدح أو الاعتذار أو غير ذلك.

– وحدة الموضوع: فالشّعراء الغزليّون كل ما يشغلهم في الحياة هو ذلك الحب، فقد كانوا يذكرونه في قيامهم وقعودهم، وخصّصوا له القصائد لوصفه وللتّعبير عمّا قد أصابهم من حرارته وعمقه.

– التّفرّغ للغزل: فلو نُظر إلى حال الشّعراء الأمويين لوُجد أنّهم لم يكن يشغلهم أي شاغل في الحياة، لذا تراهم قد تفرّغوا لذكر محبوباتهم، وذلك على خلاف شعراء العصر الجاهلي الذين عانى قسم كبير منهم الفقر والحروب والمآسي كامرئ القيس وعنترة العبسي وطرفة بن العبد وغيرهم.

أسباب ظهور الغزل العفيف في العصر الأموي

تعود أسباب ظهور الغزل العذري إلى أمورٍ عديدة منها:

الأسباب الدينية

فقد جاء الإسلام بما حمله من تعليماتٍ وإرشاداتٍ يكون بها صلاح المرء وصلاح أمره، ومن هذه التّعليمات كانت هناك مجموعة من التّعليمات التي تتعلّق بالمرأة، وكيفيّة التّعامل في أيّ موضوعٍ يخصّها، لذا كان شاعر الغزل العذري يمتنع عن ذكر الأمور الماديّة والرغبات الحسيّة المتعلّقة بالمرأة، لما في ذلك من منافاةٍ لتعاليم الدّين الحنيف، ولذا كان هذا الغزل يتماشى مع تعاليم الدّين.

الأسباب السياسية

لقد ساد المجتمع الأموي حالة من الاستقرار السّياسي، فكان نتيجةً لذلك ظهور الغزل بنوعيه اللاهي والعذري، فنتيجة الاستقرار الذي تمتّعت به الدّولة الأمويّة انصرف النّاس إلى اللهو والملذّات، وانصرف أهل البدو إلى الحبّ وتغزّلوا بمحبوباتهم وشبّبوا بهنّ، فكان لذلك الاستقرار دورٌ مهمٌّ في انتشار هذا اللون الشعري الجديد في البادية، كما كان له دورٌ في انتشار الغزل اللاهي في الحجاز أيضًا.

الأسباب الاجتماعية

لقد كان المجتمع البدوي الذي خرج منه الغزل العذري امتدادًا للمجتمع الجاهلي بتعصّبه وعاداته وتقاليده، فقد عُرف بالتّعصّب وصون المرأة وسمو ذكرها، وكان أهله كذلك يتّصفون بالعفّة والحياء والشّرف والغيرة، فقد جعلوا المرأة في مكانةٍ ساميةٍ كما أطلقوا عليها اسم “بيضة الخدر”، بينما كان المجتمع الحضاري في الحجاز له صورة خاصّة وجديدة بالغزل عرفت بالغزل اللاهي.

الأسباب الحضارية

إنّ المستوى الحضاري الذي وصلت إليه البلاد كان له أثرٌ واضحٌ أيضًا في انتشار فنّ الغزل، فقد انشغل الناس بالملذّات والعمران كما انشغلوا بالحبّ والهيام والغزل، فلم يعد الشاعر يضطرّ لمعاناة الكدّ والتعب ليجني قوت يومه، بل كانت خزائن الدولة الإسلامية تفيض بالمال من أرجاء بلاد الخلافة كافّة من الخراج والصدقات والزكاة والجزية التي تضعها الدول التي تدخل في حماية الدولة الإسلامية، فكان هم الشاعر صغيرًا أن يتعلّم القرآن وعلوم الشريعة، ومن ثمّ إذا شبّ ينصرف إلى ما تميل إليه نفسه غالبًا.

أبرز شعراء الغزل العفيف في العصر الأموي

جميل بثينة

جميل بن عبد الله بن مَعمَر من بني عُذرة وينتمي إلى قبيلة قُضاعة، وقد كانت أمّه من قبيلة جُذام (659م – 701م) وقد كان اسمه إذا ما ذكر فإنّه كان يقترن باسم حبيبته بثينة، وهي الأخرى أيضًا تنتسب إلى بني عُذرة من قضاعة، وقد شاع ذكرهما وتداول الناس قصة حبهما، فكانت جلّ قصائده في الغزل تدور حول حبّه لها وقصصهما في العشق وما كان يدور بينهما من أحاديث منسوجة في إطار شعري قصصي تارة وغزلي بحت تارة أخرى.

يقول جميل بن مَعمَر متغزّلًا في بثينة متغنيًّا بحبّه لها:

لقدْ أورثَتْ قلبي وكانَ مُصَحِّحا * * * *  بُثينةُ صَدْعًا يومَ طارَ رداؤها

إذا خطرتْ من ذكرِ بثْنة خَطْرَةٌ * * * * عَصَتْني شؤونُ العينِ فانْهَلَّ ماؤها

فإنْ لمْ أزُرْها عادني الشُّوقُ والهوى * * * * وعاودَ قلبي من بثينة داؤها

وكيفَ بنفسٍ أنتِ هيّجْتِ سُقْمَها  * * * * ويُمْنَعُ منها يا بُثينُ شفاؤها

مجنون ليلى

هو قيس بن الملوّح مجنون بني عامر، (645م – 688م)، لا يذكر اسمه إلّا وتُذكر معه ليلى العامرية ذائعة الصيت في الشعر العربي لشدّة ما قال فيها المجنون من أشعار خلّدتها وخلّدته أبد الدهر، فتُعدّ قصّة حبّهما هي الأشهر على الإطلاق في تاريخ العاشقين حتى صار يضرب بهما المثل، فقد كان المجنون مُحبًّا لابنة عمّه ليلى لكنّه مُنع عنها بسبب تشبيبه بها في قصائده، فمنعه عنها والدها ورفض تزويجه إيّاها، ويقال إنّه أُصِيبَ بالجنون لشدّة حبّه لها، وقال آخرون إنّما ذلك لقبٌ لشدّة حبّه فهو في حبه لها كالمجنون الذي لا يقف عند حد معين.

يقول قيس بن الملوّح متغنيًّا بأحزانه ووجده الذي عاناه من حبّه لليلى حين كان في الحج:

ذكرْتُكِ والحجيجُ لهم ضجيجُ * * * * * بمكّةَ والقلوبُ لها وَجيبُ

فقلْتُ ونحنُ في بلدٍ حرامٍ  * * * * * به الله أخلصتِ القلوبُ

أتوبُ إليكَ يا رحمنُ ممّا  * * * * * عملتُ فقدْ تظاهرتِ الذّنوبُ

فأمّا من هوى ليلى وتركي * * * * * زيارتَها فإنّي لا أتوبُ

وكيف وعندها قلبي رهينٌ * * * * * أتوبُ إليكَ منها أو أنيبُ

قيس لبنى

قيس بن ذَريح بن سُنّة بن حُذاقة بن طريف بن عتوراة بن عامر بن ليث بن ذريح بن الحُباب بن سُنّة، (625م – 680م)، لقد قُرن ذكر اسمه أيضًا باسم “لبنى” فقد أحبّها حبًّا شديدًا وهو الوحيد من بين أقرانه الذي استطاع أن يتزوّج من محبوبته، ولكنّ أباه أبى ذلك الحبَّ واستهجنه فطلب منه أن يطلّق لبنى، فأبى ذلك، وبعد عدّة محاولات وتدخلاتٍ من الناس امتثل لأمر أبيه وعانى ما عاناه من آلام الفراق والوجد، وهناك رواياتٌ متعدّدة عمّا كان قد جرى بعد ذلك، فمنها يقول إنّهما عادا، ومنها يقول إنّهما لم يعودا لزواجهما، وفيما يتعلّق بشهرته فإنّه أقلّ شهرةً من قيس بن الملوّح أو جميل بثينة.

يقول قيس بن ذريح حزينًا على بعده عن لبنى:

لقدْ نادى الغرابُ ببَيْنِ لُبنى* * * * * فطّارَ القلبُ مِنْ حَذَرِ الغُرابِ

فقلْتُ: غدًا تَبَاعَدُ دارُ لُبْنى* * * * * وتَنْأى بَعْدَ وُدٍّ واقترابِ

فقلتُ تَعِسْتَ ويْحَكَ مِنْ غُرابٍ* * * * * وكانَ الدّهرُ سَعيُكَ في تبابٍ

لقَدْ أُولِعْتَ لا لاقيتَ خيرًا* * * * * بتفريقِ المُحبِ عنِ الحُبابِ

كثير عزة

كُثيّر بن عبد الرحمن بن الأسود من مليح من خزاعة، وأمّه جمعة بنت الأشيم خزاعية أيضًا، والأشيم جدّه لأمّه كان يُعرف بأبي جمعة، لذا كان كثير عزة أحيانًا يُسمّى بالملحي وأحيانًا بابن أبي جمعة، (660م – 723م)، عرف بحبّه لعزّة بنت حُميل، وقد كان يذكرها في أشعاره باسم أم عمرو، والضّمريّة، وابنة الضّمري، وحينما ذاعت أشعاره لخها وغزله بها عمد أهلها إلى تزويجها إلى أوّل من يطرق بابها للزواج، فزوّجها أهلها وبدأت معاناة كُثيّر تظهر ويكتبها شعرًا.

يقول كُثيّر يمدح عزّة:

خليليَّ هذا ربْعُ عزَّة فاعقِلا* * * * * قلوصَيكما ثمّ ابكيا حيثُ حلّتِ

ومُسّا تُرابًا كان قدْ مسَّ جلدَها* * * * * وبِيتا وظلَّا حيثُ باتتْ وظلّتِ

ولا تيأسا أن يمحوَ اللهُ عنكُما* * * * * ذنوبًا إذا صَلَّيتُما حيثُ صلَّتِ

وما كنتُ أدري قبلَ عزَّةَ ما البُكا* * * * * ولا موجعاتِ القلبِ حتّى تولَّتِ

شعر الغزل العفيف في العصر الأموي
  • views
  • تم النشر في:

    نحو اللغة والأدب

  • آخر تعديل:
  • قم بنسخ الرابط المختصر أدناه من زر النسخ لمشاركته:

    https://gnram.com/?p=11212

اقرأ في الموقع